ابن كثير
224
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 33 إلى 36 ] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) يقول تعالى مسليا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ أي قد أحطنا علما بتكذيبهم لك ، وحزنك وتأسفك عليهم ، كقوله فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] كما قال تعالى في الآية الأخرى لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [ الكهف : 7 ] وقوله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي ولكنهم يعاندون الحق ، ويدفعونه بصدورهم ، كما قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب ، عن علي ، قال : قال أبو جهل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب ما جئت به ، فأنزل اللّه فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ورواه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق ، ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة ، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي ، عن سلام بن مسكين ، عن أبي يزيد المدني ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقي أبا جهل فصافحه ، فقال له رجل : ألا أراك تصافح هذا الصابئ ؟ فقال : واللّه إني لأعلم إنه لنبي ، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا ؟ وتلا أبو يزيد فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] وقال أبو صالح وقتادة : يعلمون أنك رسول اللّه ويجحدون ، وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل ، حين جاء يستمع قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الليل ، هو وأبو سفيان صخر بن حرب ، والأخنس بن شريق ، ولا يشعر أحد منهم بالآخر ، فاستمعوها إلى الصباح ، فلما هجم الصبح تفرقوا ، فجمعتهم الطريق ، فقال كل منهم للآخر : ما جاء بك ؟ فذكر له ما جاء به ، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم ، لئلا يفتتنوا بمجيئهم ، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ، ظنا أن صاحبيه لا يجيئان ، لما سبق من العهود ، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق ، فتلاوموا ثم تعاهدوا أن لا يعودوا ، فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضا ، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها ثم تفرقوا ، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ، قال : يا أبا ثعلبة واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها ، قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به ، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته ، فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : ماذا سمعت ؟ قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ،